ابن أبي الحديد

206

شرح نهج البلاغة

[ محمد بن جعفر والمنصور ] كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس ، وكان الناس لعظم قدرة عند المنصور يفزعون إليه في الشفاعات وقضاء الحاجات ، فثقل ذلك على المنصور فحجبه مدة ، ثم تتبعته نفسه ، فحادث الربيع فيه ، وقال : إنه لا صبر لي عنه لكني قد ذكرت شفاعاته ، فقال الربيع : أنا أشترط ألا يعود فكلمه الربيع ، فقال : نعم ، فمكث أياما لا يشفع ، ثم وقف له قوم من قريش وغيرهم برقاع وهو يريد دار المنصور ، فسألوه أن يأخذ رقاعهم ، فقص عليهم القصة ، فضرعوا إليه وسألوه ، فقال أما إذ أبيتم قبول العذر فإني لا أقبضها منكم ، ولكن هلموا فاجعلوها في كمي ، فقذفوها في كمه ، ودخل على المنصور وهو في الخضراء يشرف على مدينة السلام وما حولها بين البساتين والضياع ، فقال له : أما ترى إلى حسنها ! قال : بلى يا أمير المؤمنين ، فبارك الله لك فيما آتاك ، وهناك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك ! فما بنت العرب في دولة الاسلام ، ولا العجم في سالف الأيام ، أحصن ولا أحسن من مدينتك ، ولكن سمجتها في عيني خصلة ، قال : ما هي ؟ قال : أوليس لي فيها ضيعة ، فضحك وقال : نحسنها في عينك ، ثلاث ضياع قد أقطعتكها ، فقال : أنت والله يا أمير المؤمنين شريف الموارد ، كريم المصادر ، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه ، وجعلت الرقاع تبدر من كميه في أثناء كلامه وخطابه للمنصور ، وهو يلتفت إليها ويقول : ارجعن خاسئات ، ثم يعود إلى حديثه فقال المنصور : ما هذه بحقي عليك ؟ ألا أعلمتني خبرها ! فأعلمه فضحك فقال : أبيت يا بن معلم الخير إلا كرما ! ثم تمثل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب :